الشيخ حسن الجواهري
47
بحوث في الفقه المعاصر
المخالفة بين المتماثلات كتفضيل ليلة القدر والأشهر الحُرُم والجمعة على غيرها من الأزمنة ، وورد تفضيل مكّة والمدينة وكربلاء على غيرها من الأمكنة ، كما ورد من الشارع الجمع بين المتخالفات حيث جعل التراب في التيمّم طهوراً كالماء عند عدم الماء وعند المرض المضرّ به الماء مع أنّ الماء ينظّف الأعضاء بخلاف التراب . كما قد أوجد الشارع أحكاماً لا مجال للعقل في معرفة علّتها وملاكها ، مثلا أوجب لصحّة الطلاق حضور شاهدين يسمعان صيغة الطلاق ولم يوجب ذلك في عقد الزواج ، وأوجب قطع اليد في سرقة النصاب ولم يوجبه في غصب المال الكثير ، وأوجب الجلد على من قذف غيره بالزنا ولم يوجبه على من قذف غيره بالكفر ، مع أنّ الكفر أشدّ وأعظم من الزنا ، وشرط في الشهادة على الزنا أربعة شهود عدول واكتفى في الشهادة على القتل بإثنين مع كون القتل أغلظ من الزنا ، وأوجب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة مع أنّ كلاًّ منهما عبادة ، وأوجب القصر في الصلاة الرباعية دون غيرها مع أنّ الصلاة عبادة ، وكذا اختلاف أحكام الشكّ في أعداد الصلاة الرباعية دون غيرها ، وأوجب الغَسل من نجاسة البول بالماء القليل مرّتين دون الدم حيث اكتفى منه بغَسل محلّه مرّة واحدة ، وأوجب لتطهير بعض النجاسات كيفية مختلفة عن غيرها كما في ولوغ الكلب أو تطهير آنية الخمر ، وغير هذه الموارد ممّا يجده المتتبّع كثيراً في طيّات كتب الفقه . فالخلاصة : نحن ندّعي أنّ العقل البشري قاصر عن إدراك علّة الحكم وملاكه ومصلحته إذا لم يبيّن الشارع الملاك والمصلحة والعلّة . وهذا لا يدلّ على عدم اعتماد العقل في فهم النصّ الديني ، فإن فهم النصّ شيء ومعرفة علّته شيء آخر ، ففهم النصّ يتمكّن العقل البشري منه ، وأمّا علّة الحكم إذا لم يبيّنها